كتب 29 سبتمبر 2016
صِدام قناعات أم «أقنعة»؟!
rx online

حجم الصِّدام بين البعض الذي استحق وصفه بـ «العنف اللفظي» ظاهرة تستحق الدرس.وهو مازال «عنفاً لفظياً» فحسب، لا جسدياً، لأن أطرافه يمارسونه خلف أسماء مستعارة وشاشات، وحتى الشخصيات المكشوفة الهوية، فهي تبقى في المساحة الملائمة لـ «شكلها العام» في وسائل التواصل الاجتماعي، بينما تستخدم أتباعها لتعنف الآخرين بهم، وهؤلاء نكرات يسهل عليهم استخدام كلمات غير لائقة وقاسية والابتعاد عن الموضوعية في الحوار.

«التشبيح» وصف أو سُبّة، توجه لكل من يمارسون لعبة «ممثل الرأي ـ والرأي المضاد» بأسلوب عنيف، أيضاً «الارتزاق» و«الإجارة» و«العبودية»، وقِس على ذلك أي وصف وضعه تحت بند «العنف اللفظي».

ونقول «ممثل الرأي ـ والرأي المضاد» لأنهم أقنعة لأصحاب الرأي الحقيقيين وهم دروعهم التي تتلقى عنهم الصدمات والشتائم ليحتفظوا هم بـ «بريستيجهم» وصورهم الاجتماعية، وهو خط الدفاع الأول ومهمته امتصاص رد فعل الشارع عند إطلاق «المتنفذ» للفكرة أو «الرأي»، هؤلاء، ويطلق عليهم بالمصطلح المحلي «مشّاشة الزفر»، هم عصي وأسواط الفئة المسماة «النُّخَب» وكثير منهم يكونون من الوجهاء والمتصدرين في مجالس الرجال، ومع تراجع الحياء وتفوق الوضاعة صارت «الأقنعة» من النساء أيضاً!

هل يوجد في بروتوكولات أدب التواصل الإنساني قوانين و«كتالوجات لغير المسموح به أخلاقياً»؟! أم هو شأن تربوي يتعلق بالنتشئة؟ أم يمكن اكتسابه؟ أم من السهل شراء الأخلاق؟ أم نحن في حاجة لمنظومة شاملة لإصلاح الفرد و تقويم مفاهيم المجتمع؟!

أظن أن الواقع يؤكد لنا إمكان إحلال الصح بالخطأ، وتقليب الأمور، وتبرير اختلال الموازين للأعراف العامة المقبولة، لذلك، القلة التي تنكر سوء الأخلاق تشعر بأنها منبوذة في بيئة منقلبة على ذاتها.

نزاعات الرأي تنشأ بسبب اختلافات في القيم والمصالح وطريقة العمل على تكريسهما بين المختلفين، فلا يصح أن يتحول الاختلاف في الآراء إلى خلافات شخصية تمتد لتحرق كل الحبال الممكن استخدامها للرجوع عن الطريق الخطأ.

حتى وإن صارت «قلة الأدب» واقعاً لا يكاد يوما يخلو من أمثاله في الساحات الإلكترونية، لا بد من بقاء الأصوات التي تملك زمامها في المناقشات لتعطي مثلاً وقدوة للرقي في تبادل الآراء.

الواجهات أو «أقنعة» الأشخاص الآخرين يحاربون حروبهم، ويتبارزون في معاركهم كمرتزقة يجهلون قضية من استأجرهم للوقوف في صفه، تمتلئ بهم القنوات والصحف والشبكة العنكبوتية، تجدهم يزحمون الأماكن بعويل لا نتيجة له، لديهم أوامر محددة ضد أشخاص معينين، ويتلقون أجوراً تتفاوت بين «منصب» و«تغاضٍ عن الأداء والتواجد في مكان العمل» و «مميزات خاصة» تعتمد على أهمية «الرأي» ووسائل تجطيم «الرأي المضاد»، وكلما دخل الشرف والأمور الشخصية على خط النار، زادت المكافأة!

وأخيراً، كيف تعرف إن كان الدفاع في أي حوار عن قناعة ما، أو هو مجرد عمل لأحد أعضاء جوقة لصاحب مصلحة ومتنفذ ما؟!

صاحب الرأي يحاججك، أما «القناع» فيشتمك، هكذا صارت ساحات إبداء الرأي، الكثير من المدنية والتقدم التكنولوجي، وشح في الثقافة والتحضر والأخلاق!

نشر في جريدة الأنباء
بتاريخ الأحد 2014/2/16

بقلم : خلود الخميس
[email protected]

خلود الخميس

إكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني، الحقول اللازم مشار لها بـ *