كتب 29 سبتمبر 2016
طفل .. أمُّه «الكرتون»!

نشر في جريدة الأنباء

بتاريخ الخميس 2014/1/30

بقلم : خلود الخميس

بعد صلاة الجمعة، وقف رجل تسود ملامحه اللامبالاة، من أولئك السائرين بمحاذاة الحائط، لا يهتم كثيراً بشؤون الآخرين ما لم تطله، ولكنه رأى في الطريق وأمام المسجد ما يمكن أن يعرقل أي قدم، رأى صندوق «كرتون» ماء صغير الحجم وكان مفتوحاً، مسّه الفضول فاقترب، فإذا بداخله روح!

نعم، داخل «الكرتون» بشر!

إنسان لا قوة له، وجهه محتقن يرجف برداً، فلم يكن يدفئه سوى منشفة و«حفاظ»، شفتاه زرقاوان، ويبدو أنه مازال يتنفس!

هذا الرجل لم يفكر في حياته أن يميط أذى عن الطريق لأنه يعيش أسرا اختياريا لنظرية «هذا شأن لا يعنيني» ولكنه تسمّر يشاهد حركة عيني الطفل!

الشخص الذي يتجنب المرور وسط «أي احتمالات سوء» لا لأنه يخاف التعرض له فحسب، بل حتى ان تُطلب منه شهادة ما لصالح أحد وضد آخر، دُفع إليه بـ «كرتون» داخله طفل فهل سيعبره كما يفعل مع أي حجر عثرة في الطريق ويمضي لحياته، أم ماذا؟

لأول مرة يتدخل، ليحمل عار غيره ويعتبره شأنه، حمل «الكرتون» لأقرب مخفر والإجراءات المعروفة قانوناً في هذه الحالة التحقيق معه، ثم يُحوَّل الطفل للمستشفى لضمان سلامته، وبعد أن تستقر حالته الصحية يسلم لدور الرعاية الاجتماعية ويأخذ اسماً وتاريخ ميلاد وأوراقا رسمية ويصبح لاحقاً كويتي الجنسية وابن الدولة!

هذا الرجل «اللامهتم».. حياته منذ ذلك اليوم تغيرت للأبد، وذاك الطفل صارت له حياة ولكنها مزيفة.

لن أتناول من يفعل ذلك في سبيل الجنسية والحياة والمعيشة، فلا أعتبرهم من البشر المستحقين حتى لإشارة، بينما سأطرح على الحكومة الحل بتبني مشروع بقانون تسبقه دراسة لحجم هذه المشكلة ووضع عقوبات حازمة تحد من عقوق الوالدين لأبنائهم، سواء بالتبرؤ منهم منذ الولادة برميهم للظروف والتخلي عن المسؤولية لتقوم بها الدولة عوضاً عنهم، أو بسوء المعاملة المنزلية وهذا موضوع طويل وشائك وملف يتطلب الحلول الجذرية بقوانين تدعم الأمن الاجتماعي للأبناء في حالة تعرضهم للاضطهاد والعنف الأسري.

رضّع يتخلص منهم والداهم!

هذا يحدث في الكويت، الأرض التي أنبت الله بها خيراً من دون أن يكلفنا جهد بذره، الدولة التي تطعم الطعام وتغيث الملهوف وتجيب المضطر بلا تردد، بيننا من يركل نعمة الله بحجج واهية جاهلاً أنها ستكون عليه يوم يقف أمام من رزقه الذرية ويسأله كيف حفظ تلك الهبة وهل شكر عليها.

الأسباب كثيرة لرمي طفل في الشارع، ولكن كلها لا تبرر قبول الدولة للوضع والتعامل معه كأمر واقع بلا رادع سابق وزاجر لاحق.

يجب بحث القضية بجوانبها الإنسانية والاجتماعية والشرعية، والأخيرة خاصة قد تؤدي لاختلاط الأنساب وانتهاك حرمات الله لعدم بيان هوية الطفل ونشأته كمجهول الأبوين وبعد عشرين عاماً قد يلتقي بأخته في الدم ويتزوجها، لا أحد يضمن ألا يحدث هذا، الأهم أن يحفظ نسب الطفل، فإن تعذر على الوالدين القيام بدورهما تتكفل الدولة به طبقاً للقوانين، ولكن الأنساب يجب أن تثبت تطبيقاً لحدود الله ولسلامة المجتمع.

ليس من المقبول أن نتعامل مع جريمة «قذف طفل في الشارع» طبقاً لإجراءات قانونية مثلما نفعل مع قضية اصطدام مجهول لسيارة وهروبه ونقيدها ضد مجهول، هناك روح كرمها الله، على المحك، وهذا المجرم الذي تلاعب بها وهرب، يجب القبض عليه.

يجب أن تلاحق الأجهزة المسؤولة بكل وسيلة أوتيَتْ كل مجرمَين يقذفان فلذة كبديهما في التهلكة واختيار المساجد مكاناً لتنفيذ جريمة ترك طفلهما في قارعة الطريق معرضا للجوع والعطش والموت من العوامل الجوية، أو أن يتخطّفه بشر غير أسوياء لا يسلمونه للدولة بل يأخذونه، فينشئونه لمآرب ما، أو أي نتيجة تؤول إليها براءته بسبب والدين عبثا بنطفة لم يظنا أنها ستكون علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم لحماً حتى تشكل بشراً سويا.

لم أجد ما يخفف دهشتي من أم بينها وبين طفلها حبل سري، لا ينقطع إلا ظاهراً، ويبقى رابطهما للأبد، ترميه وهي من حملته وهناً على وهن في «كرتون» ليكون دثاره بدلاً عنها!

[email protected]

 

المقال التالي

طفل .. أمُّه «الكرتون»!

المقال السابق

طفل .. أمُّه «الكرتون»!

إكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني، الحقول اللازم مشار لها بـ *